Get Adobe Flash player




علي الرشيد

 

الشرق القطرية

قدّر لي أن أطلع على طرف من أحوال اللاجئين السوريين عن قرب، من خلال زيارة صحفية عاجلة إلى جنوب تركيا، شملت أحد مخيمات اللاجئين، وأحد المستوصفات التي يعالج فيها الجرحى، وإحدى المدارس التي يدرس فيها الأطفال اللاجئين الذين يقطنون خارج المخيمات.. وليس من رأى كمن سمع.

 

الزيارة كشفت لي عن حجم معاناة الإنسانية لهذه الشريحة، التي أجبرتها الظروف الطارئة في بلادها على الفرار من قمع النظام وبطشه ونيران أسلحته التي يقصف ويدمر بها ويهلك الحرث والنسل، أو الخوف من الوقوع في قبضة أسر أجهزته الأمنية أو شبيحته، أو بسبب التهجير القسري الذي يتم في بعض الأحياء والمناطق والقرى على خلفيات عنف طائفي ممنهج.

 

لقد وجد هؤلاء اللاجئون أنفسهم على حين غرة أمام خيارين أحلاهما مر، إما البعد عن الوطن مع ما في ذلك ترك لمرابع الأهل والأحبة، وهجر للبيت ومصدر الزرق، أو البقاء في وطنهم وديارهم عرضة للاعتقال أو القتل أو الابتزاز، وفي كلا الأمرين أخطار كبيرة ومعاناة جمّة.

 

لمعاناة اللاجئين السوريين صور كثيرة يمكن إجمالها من خلال القصص التي استمعنا إليها، ولعل من أهمها:

 

- مخاطر الرحلة والعبور، فالوصول إلى تركيا مثله مثل الوصول إلى دول مجاورة أخرى (لبنان والأردن)، قد يعرّض حياة الفارين إليها إلى خطر الموت على يد دوريات حرس الحدود، أو بسبب الألغام المزروعة على طول الحدود، وهي محفوفة بالمعاناة والمكابدة وبخاصة فيما يخص الأطفال والنساء والشيوخ بسبب وعورة الطرق والتضاريس التي يسلكونها، وقد حدثني أحدهم عن اضطرار نسائهم وأطفالهم إلى عبور الأنهار للوصول إلى تركيا، في ما نقلت لنا أخبار اللاجئين استشهاد أكثر من شخص بنيران عساكر الحدود السورية، عندما حاولوا العبور إلى الأردن أو لبنان أو تركيا، بل وصل الأمر إلى استهداف أحد معسكرات اللاجئين القريب من الحدود السورية التركية من الطرف السوري.

 

- القلق على من يخلِّفونهم من الأسر والأهل سواء كانوا آباء أو أمهات أو أبناء أو زوجات أو أقارب، والقلق عليهم، ويحصل ذلك بسبب صعوبة انتقال بعضهم، أو تشتت الأفراد بين النزوح داخل البلاد أو اللجوء خارجها نتيجة الظروف الأمنية.

 

- انقطاع مورد العيش للإنفاق على مستلزمات الحياة وبخاصة مع وجود الأسرة والأطفال، حيث يجد اللاجئ نفسه فجأة بدون عمل أو مورد رزق يستطيع من خلاله تلبية احتياجاته الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وعلاج، والاضطرار للعيش على الكفاف، وبالحدود الدنيا، وبخاصة من هم من الموظفين وصغار الكسبة، وقبول المساعدات والهبات وهو أمر صعب على الكرامة الإنسانية.

 

- العيش داخل المخيمات، مع ما في ذلك من ترك للمأوى الطبيعي الآمن (المنازل)، والسكنى في الخيام التي لا تقي حرا أو بردا، والعيش وراء أسوار لا يسمح للتحرك خارجها إلا بحدود ضيقة، وانتظار لوجبات الطعام والشراب، وجبة بوجبة، ويوما بيوم، لذا فإن المحظوظ من يعيش خارج المخيمات بسبب ظروفه المادية الميسورة، أو لوجود أقارب له من الأتراك.

 

- معاناة العلاج، فكثير من اللاجئين ـ وإن كان لفترة مؤقتة ـ إنما قدموا للعلاج، أو اضطروا إلى الخروج من بلدهم واللجوء لدولة مجاورة بسبب تعذر إمكانية العلاج في سوريا بسبب الظروف الأمنية الصعبة، ولكن هذه المعاناة قد تستمر بشكل أو بآخر حتى في ظل اللجوء، إما بسبب الظروف الأمنية الصعبة كما هو الحال في لبنان، حيث يتم العلاج في مناطق ومستشفيات خاصة ـ وليس حكومية ـ خوفا من الاختطاف على يد موالين للنظام، أو نتيجة لعدم توافر التمويل الكافي لإجراء عمليات نوعية كبيرة.

 

- معاناة تعليم الأبناء، وهو ما تسبب عن خسارة الأطفال لعام دراسي على الأقل، ورغم توافر فصول ومدارس في المخيمات أو خارجها في تركيا ـ وقد شاهدت بعضها ـ إلا أنها في الواقع ليست مدارس نظامية، معترف بها، وإنما محاضن تربوية حتى لا ينقطع الأطفال عن التعلم، مع ما في ذلك من أضرار بالغة.

 

وإذا كانت أقل التقديرات تشير إلى وجود مائة وستين ألف لاجئ في دول الجوار لسوريا، ومليون نازح عن دياره داخل سوريا فإن مجمل ذلك يشير إلى ضخامة حجم الاحتياج الإغاثي لهذه الشريحة التي فرضت عليها الظروف أن تجد نفسها بين عشية وضحاها ضمن قائمة اللجوء والنزوح، وهو ما يستدعي من الأمة في إطار التكافل والتراحم أن تضاعف من حملاتها ومعوناتها الإغاثية العاجلة إسهاما في حفظ كرامتهم الإنسانية، ووقوفا معهم في ساعة الشدة والعسر والتخفيف من وطأة معاناتهم، كما حثت على ذلك تعاليم ديننا الحنيف، وعاداتنا العربية الأصيلة في غوث الملهوفين.

 

إنه نداء لأهل النخوة وأصحاب الضمائر الحية والقلوب الرحيمة لمضاعفة البذل والعطاء، لكي لا يقوموا بأقل ما يمليه واجب الأخوة والنصرة تجاه شعب ينشد الحرية والعيش بكرامة، ونداء للصحافة وأجهزة الإعلان للتعريف بحجم هذه المأساة.

استطلاعات الرأي

هل تظن أن لايران تدخل مباشر لما يقع بسوريا
 

الشبكات الإجتماعية

المتواجدون حالياَ

يوجد 23 زائر حالياً